المدار
نجم الركايب

ذي قار … معركة الانتصار للشرف!!!


ذي قار … معركة الانتصار للشرف!!!


وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.hailnews.sa/792148/

 

عندما نقرأ بتفحص المذكرات التاريخية .. فعلينا أن نكون دائما في موضع فخر بعيدا عن التحيز أو الاندفاع اللاشعوري آخذين بالاعتبار أن أي انتصار تاريخي له دوافع وأسباب تجعلنا نقر من حيث المبدأ بأن هذه الدوافع ما هي إلا إرادات تنطلق من ثوابت أصيلة لا يمكن لها أن تقهر. وإن المتفحص ذا النظر والبعد الثاقب في قراءة الأحداث التاريخية وتطورها يحق له أن يفخر بالتاريخ العربي الأصيل الذي تحقق على مر التاريخ بالرغم من التضحيات التي بذلت في تلك المسيرة .. وقد يعتقد البعض أن العرب عوالم لا تهزم وهذا الاعتقاد لاشك أنه نابع من حماس العروبة والعنصرية لها أو أنه لكثرة راياتهم وانتصاراتهم. لكن الواقع أن هناك أشياء ترجح في هذا الجانب فالظروف تتغير والأحداث تتوالى فما بين هذا وذاك أمور لها حسابات تدخل في حيز ضيق من التعقيد .. فأي انتصار مرده إلى الاتساع التاريخي لقطبي الرحى وهذا يتجسد بأسباب المعركة – عواملها – إعلامها – موقعها – قطبي الرحى – نتائجها – اعتراف المنهزم بهزيمته – التمثيل الشعري وظهور الموروث.

 

إن هذه المقدمة البسيطة لم تدفعني للاستعراض تاريخيا في معركة هزم فيها كسرى وجيوشه على يد أبناء وائل الكرام لأن هذه الوقعة وأحداثها تحدثت عنها الكتب وأسهب فيها المؤرخون والمهتمون بحثا وكتابة وتحقيقا .. إنما أردت من ذلك أن أوضح نقاطا مهمة وأبعد عن نفسي غمورية الكاتب وضيق أفقه وحصر مقالته على استعراض ساذج ومفاخرة مملة .. ويمكن أن أبدأ توضيح بعض النقاط بسؤال .. لماذا حدثت معركة ذي قار؟ .. نعم هذا السؤال سأنطلق منه لإيضاح محتوى المقال .. ولي في ذلك بعض وقفات:

الوقفه الأولى: إن أغلب العرب في ذلك الوقت كانت تخاف كسرى وتخشى إغاضته باعتباره القوة التي لا تقهر عددا وعدة فالهامرز وجلابزين .. وكتيبتي دوسر والشهباء .. وجنود يلبسون خوذا .. ويملكون دروعا واقية ضد السهام والنبال ولديهم تروس ومصدات إضافة إلى نشابات حادة ورغم هذه الإمكانيات المخيفة إلا أن الإرادة والتصميم هي الورقة التي يملكها العرب لدفع البلاء والإصرار على مناجزة الباغي حتى النهاية.

إن الصفات النبيلة والخصال الحميدة هي الشيم الباقية للإنسان العربي الأصيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها .. لأن هذه الصفات تنمو في أجسادهم وتتحرك بدمائهم حريصون عليها ويدافعون عن بقائها مهما كان الثمن .. فطغيان العدو واستبداده على الضعفاء من الناس سيجد يوما أنه ضعيف لأن الله سينتصر لخصمه ويجعله قوة أمامه وقاهرا له .. يقول الحق تبارك وتعالى: {وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيره بإذن الله والله مع الصابرين} .. نعم لقد دلت الآية الكريمة أنه مهما كانت قوة العدو فإنها ستقهر أمام الإرادة والصبر لصاحب الحق فهو معان من الله عز وجل لشرعية مقصده وإيمانه .. وقد حدثت هذه المعركة على رأي المؤرخين بعيد وقعة بدر بأشهر (1) ولما بلغ النبي صل الله عليه وسلم ذلك قال: (هذا يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا).

 

الوقفة الثانية: حماية الدخيل أو إجارة المستجير .. إن حماية الدخيل وإجارته صفة نبيلة للشعب العربي الأصيل وهو منبع من منابع رفعته وشأنه ..فبينت لنا هذه الوقعة كيف أن النعمان طاف بقبائل العرب طالبا لنجدته .. فلم يجبه أحد لأن سطوة كسرى وجيشه الجرار قد أخافهم .. واستقر أمره عند بني شيبان وبكر بن وائل الذين غلت في دمائهم العروبة الأصيلة وثاروا انتصارا للحق والشرف والحمية .. فانجدوه وحموا ذراريه بقيادة هاني بن مسعود. استخلص من هذه النقطة ثوران الدم العربي الأصيل كالبركان والانتصار للحق والشرف العربي والانبراء لمناجزة العدو مهما كانت التضحيات. وقد قال الأعشى في بيت تمنى لو أن كل قبائل العرب ومنها العدنانية شاركت لحازت على الشرف .. لكنها امتنعت:

لو أن كل معد(2) كان شاركنا
في يوم ذي قار ما أخطاهم الشرف

 

الوقفة الثالثة: النخوة .. إن التاريخ ملىء بمثل تلك المواقف التاريخية ولعلني أذكر بمناسبة مقالي هذا لصاحب النخوة الشهم البطل سيدي الملك المفدى سلمان بن عبدالعزيز الذي مثل الجانب الحقيقي للنخوة العربية الأصيلة بإنجاده لمن استنجد به وثوران الدم العربي وقيام العاصفة المباركة “عاصفة الحزم والعزم” لرد الحق لأصحابه .. يقول الشاعر الرائد مشعل الحارثي:

سلمان أخو نوره وترقا به حبال
محيي ذكر ذي قار والقادسيه

 

نعم ملك ذو همة وبعد تاريخي , جمع كلمة العرب ووحد صفهم , وداس على الفرس وأذنابهم وأعوانهم الموالين لهم , حفظك الله سيدي وجعلك ذخرا للإسلام والمسلمين.

 

الوقفة الرابعة: استقبال الموت خيرا من استدباره .. نعم إنها الشجاعة والإقدام التي هي من أبرز صفات العرب بالمجمل وقد تمثلت في ذي قار المعركة باستقبال أبناء وائل الكرام للطعان وتقديم أنفسهم للموت خيرا من المذلة أو الانهزام , يتلقون العدو في مجاولة الخيل ومواجهته وجها لوجه .. قال الشاعر الأعشى:

وقاتلوا القوم إن القتل مكرمة
إذا تلوى بكف المعصم العرف

 

وجند كسرى غداة الحنو (3) صبحهم
منا كتائب تزجي الموت فانصرفوا

 

لما رأونا كشفنا عن جماجمنا
ليعرفوا أننا بكر فينصرفوا

 

قالوا البقية والهند (4) يحصدهم

ولا بقية إلا السيف فانكشفوا

 

جحاجح وبنو ملك غظارفة
من الأعاجم في آذانها النطف (5)

 

لما أمالوا إلى النشاب (6) أيديهم
ملنا ببيض فظل الهام يختطف

 

وخيل بكر فما تنفك تطحنهم
حتى تولوا وكاد اليوم ينتصف

 

قابلوهم أبناء وائل رجلا لرجل فقتل الهامرز والجلابزين في مبارزة لصناديد القوم .. ثم طحنتهم الجموع ووقعوا في مهلكة عظيمة وتتبعتهم فرسان عنزة لثلاثة أيام تطاردهم في بطحاء ذي قار حتى أوقعت بهم فهلكوا ولم ينج إلا قليلهم.

 

يقول الأسمر الجويعان – رحمه الله – في الملحمة الوائلية:
ذي قار شاهدنا وغيره مثيله
وارامل المنذر حماها بن شيبان

 

المنذريه يوم جتنا دخيله
حنا زبنها يوم روغات الأذهان

 

جتنا تسوقه للبلاوي ذليله
وعدنا لها مجد الشرف بعد الاحزان

 

حنا كسرنا جيش كسرى وفيله
وعما نوى حنا جزيناه حرمان

 

نعم إنه انتصار للشرف العربي ورد كيد الباغي وتلقينه الدروس وإعلامه أن المجد العربي باق متألق في سماء العز والشرف هؤلاء هم العرب وهؤلاء هم أبناء وائل حاملي الرايات بأقدامهم وشجاعتهم استطاعوا قهر وهزيمة أعظم جيش في التاريخ .. فلله درهم.

 

فاصلة:
بالإراده والتصميم والصبر تتحقق الأهداف مهما كانت صعوبتها.

 

بقلم: الحميدي بن رضيمان العنزي

خاص لـ(صحيفة حائل الإلكترونية)

 

———————-
(1) كتاب الأغاني ، للأصفهاني.
(2) أب القبائل العدنانية.
(3) جبل بالقرب من مدينة طريف 38 كم.
(4) السيوف.
(5) أساور يضعها الفرس بآذانهم.
(6) تشبه السهام غليظة وحادة ولها مزارق وقوس مصمم لا تخطىء الهدف.


7 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

    1. 1
      ناقد للتاريخ

      شكرآ للأخ الكاتب على الاستعراض الرائع لأهم المعارك في تاريخ العرب .فقد أجاد في الأسلوب وتناول الموضوع بطريقه جاذبه تعود بالعرب الي تاريخ الإنتصارات والملاحم الحربيه ..تقبل شكري وتقديري

      الرد
    2. 2
      بوح

      مقال رائع .سلمت انأملك

      الرد
    3. 3
      بوح

      مقال رائع سلمت انأملك

      الرد
    4. 4
      الامير

      ماشاء الله مقال اكثر من رائع لله درك **

      الرد
    5. 5
      الامير

      ماشاء الله مقال رووعه لله درك ***

      (ماااااااااشاااااء الله)

      الرد
    6. 6
      غنى الشمال

      طرح اكثر من رائع وربط احداث تاريخيه بشكل مميز وجميل يدل على اجاده الكاتب وتمكنه من ذلك فلك كل التحيه والتقدير على هذا الطرح والتطرق ..

      الرد
    7. 7
      الشمري

      أشكر الكاتب على المقال الرائع الذي يجسد التاريخ الحقيقي للعرب عامه وللقبيله خاصه . .فهو انتصار حقيقي للشرف العربي ورد للطغاه وحماية المستجير

      الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.