نجم الركايب

ضيدان المطرفي ، القانت العابد والناسك الزاهد


ضيدان المطرفي ، القانت العابد والناسك الزاهد


وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.hailnews.sa/902585/

 

بِنتُم وَبِنّا فَما اِبتَلَّت جَوانِحُنا
شَوقاً إِلَيكُم وَلا جَفَّت مَآقينا

 

نَكادُ حينَ تُناجيكُم ضَمائِرُنا
يَقضي عَلَينا الأَسى لَولا تَأَسّينا

 

حالَت لِفَقدِكُمُ أَيّامُنا فَغَدَت
سوداً وَكانَت بِكُم بيضاً لَيالينا

 

لِيُسقَ عَهدُكُمُ عَهدُ السُرورِ فَما
كُنتُم لِأَرواحِنا إِلّا رَياحينا

 

إِن كانَ قَد عَزَّ في الدُنيا اللِقاءُ بِكُم
في مَوقِفِ الحَشرِ نَلقاكُم وَتَلقينا

 

عَلَيكِ مِنّا سَلامُ اللَهِ ما بَقِيَت
صَبابَةٌ بِكِ نُخفيها فَتَخفينا

 

قبل عام ونيّف فُجعت حائل بوفاة عابد من العُباد وناسك من النُساك، بركته تثوي أينما حل وارتحل يلمسها ويشعر بها من هم حوله ، ألبِس وجههُ من المهابة والسناء والضياء ما الله به عليم حتى شاع نوراً واستطار بريقاً يراه من يقابله رأي العين، رُزق بمحبة الخلق وإقبال قلوبهم إليه يأتيه الناس زرافاتٍ ووحدانا من شتى البقاع للسلام عليه وطلب الدعاء منه.

 

قُذف في قلبه التلذذ بالعبادة وأُعطي مِنحاًً ربانيةً حتى أضحت العبادة راحةُ نفسهِ وطربُ قلبه، كان فقيهاً زاهداً عابداً ورعاً تقياً مستجاب الدعوة كثير الخشوع مأموناً ثقةً ثبتاً لا يُسأل عن مثله، قرن الإخلاص بالتقوى والحلم بالعلم والصدق بالعمل، اجتنب البوائق حيث كانت وترك ما هوى لما خشي.

 

يصوم الاثنين والخميس والأيام البيض، يختم القرآن الكريم كل ثلاث، ولم تفته تكبيرة الإحرام زُهاء الأربعين سنة!

 

عندما كبر سنه ورقّ عظمه واحدودب ظهره فاتته صلاة عصرٍ في مسجد الحي فخرج مضطرباً لا يلوي على شيء يجوب مساجد المدينة بحثاً عن جماعة في مسجدٍ ولم يجد فعاد واجماً مغتماً أسِفا، ثم صام ثلاثة أيام تطويعاً لنفسه وتقويماً لها، كابد وجاهد نفسه في الله حق جهاده حتى هذّبها بمعونة من الله فما أعظم هذا الكَبَد وما أشد ذلك الجهاد، جهاد بلا قتال ومقارعة بلا سيف ولا نبال.. قال عنه جمعٌ من كبار العلماء: الشيخ ضيدان رجل من السلف الصالح.

 

في خضم المجالس ولُجّة المآدب لا تكاد تسمع له همساً مما حباه الله من أدبٍ جم ووقارٍ مستفيض، لم يُذكر أنه مس عِرْض أحد قط ولم يُروَ عنه أنه ذكر إنساناً بسوء، جرت على لسانه جملة (يا حي يا قيوم) حتى أنها لا تكاد تفارق شفتيه يكررها مئات المرات باليوم والليلة مناجياً بها ربه لجنبه أو قاعداً أو قائما.

 

أحبه الله فاصطنعه لنفسه وشغل همه به ولسانه بذكره وجوارحه بخدمته، يحتمل الأذى ولا يرتكبه غمر الإيمان قلبه وعزف عن الدنيا برمتها وعمل لآخرته حيث عاش متقشفاً زاهداً راغباً بما عند الله.

 

يلزم المسجد من صلاة المغرب لا يبرحه إلى أن ينتهي من صلاة العشاء وسنته إما مستغفراً أو داعياً أو ذاكراً أو تالياً للقرآن وذلك في كل ليلة لا يترك هذه العادة تحت أي ظرف.

 

أسس جامعاً في حي الزبارة (هو وبرجس الداحس غفر الله لهما وتجاوز عنهما) فخطا المسجد ورسما حدوده بأرجلهما عندما كان الحي خالياً من ساكنيه فأقاموا هذه الشعيرة بمسجدٍ مكشوفٍ حدوده خطوط الأقدام إلى أن أصبح اليوم جامعاً من دورين مكتظاً بالمصلين تقام فيه صلاة الجمعة والأعياد!! وحسبه هذه المنقبة والفضيلة.

 

ترك منزلاً جديداً فسيحاً وزهد به وصد عنه وأقام في مكتبة منزله القديم وحيداً منزوياً منعزلاً بعيداً عنه أهله وذويه ليكون قريباً من الجامع الذي أقام عوده وصُلبه رغم تقدمه بالسن وسيره على الكرسي المتحرك فلازم هذه المكتبة العامرة بأضابيرَ ثمينة نادرة وبمجلداتٍ لأمهات الكتب حيث عكف على تلاوة القرآن وقراءة كتب التفسير والحديث والصحاح، حتى مسه الضُر والضَّنى فجرت عليه سنن الله في خلقه التي لا تتبدل ونواميس كونه التي لا تتحول.

 

هذه جملة من مناقبه وحفنة من مآثره رحمه الله وتجاوز عنه وما كل آلاءه نحصيها ..

 

جمعنا الله به وبموتى المسلمين في دار كرامته ومستقر رحمته في جناتٍ ونهر في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر.

 

عليك تحيةُ الرحمنِ تَترى
برَحماتٍ غوادٍ رائحاتِ

 

بقلم: عادل الغازي

خاص لـ(صحيفة حائل الإلكترونية)


1 التعليقات

    1. 1
      عطر

      رحم الله العم ضيدان ،،
      قد استقام منسمه ،، وبانت سجيته ،، وانتثر عطره ،،
      حتى تجلى بذكر مناقبه رجلٌ نحسبه والله حسيبه صادقاً ،،
      قد أجدت الوصف ابا سعد وأصبت القول في ذكر بعض مآثر ذاك الرجل
      ووالله حُق علينا أن نبكي على أنفسنا لا عليه رحمه الله ،،
      فقد أدى حق الله عليه ومات رحمه الله والناس شاهدكٌ لها بالخير
      مُثنيةً عليه بالقول ،، لاهجةً له بالدعاء ،،
      وقد قال المصطفى صلوات ربي عليه وسلامه حين سمع ثناء الناس
      على جنازةٍ مرت فقال وجبت ،، وحين سؤل بأبي هو وأمي قال ( وجبت له
      الجنة ) ،، نسأل الله أن يُجبها لفقيدنا الحبيب ..

      الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.