نجم الركايب

عبدالله المشهور .. قصة كفاح ملهمة ونجاح محفزة


عبدالله المشهور .. قصة كفاح ملهمة ونجاح محفزة


وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.hailnews.sa/905037/

 

كَأَنَّ بَني قَوْمِهِ يَومَ وَفاتِهِ ** نُجومُ سَماءٍ خَرَّ مِن بَينِها البَدرُ
يُعَزَّونَ عَن ثاوٍ تُعَزّى بِهِ العُلى ** وَيَبكي عَلَيهِ الجودُ وَالبَأسُ وَالشِعرُ
فَتىً كانَ عَذبَ الروحِ لا مِن غَضاضَةٍ ** وَلَكِنَّ كِبراً أَن يُقالَ بِهِ كِبرُ
سَقى الغَيثُ غَيثاً وارَتِ الأَرضُ شَخصَهُ ** وَإِن لَم يَكُن فيهِ سَحابٌ وَلا قَطرُ
وَكَيفَ اِحتِمالي لِلسَحابِ صَنيعَةً ** بِإِسقائِها قَبراً وَفي لَحدِهِ البَحرُ
ثَوى في الثَرى مَن كانَ يَحيا بِهِ الثَرى ** وَيَغمُرُ صَرفَ الدَهرِ نائِلُهُ الغَمرُ
عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ وَقفاً فَإِنَّني ** رَأَيتُ الكَريمَ الحُرَّ لَيسَ لَهُ عُمرُ

 

إن كان للإجتهاد وللإصرار عنوان فعنوانه هذا الرجل النقي، وإن كان للإرادة وللعزيمة رمز فرمزه هذا الرجل التقي، عبدالله بن محمد المشهور – غفر الله له ورفع درجته – سطّرَ قصة كفاح ملهمة ومحفزة، فقد اتخذ من الضرر سلماً للنجاح وطريقاً إلى الفلاح، ومن المرض فرصة للعبادة والطاعة، ومن الآلام وسيلة لبلوغ المرام، طلب رضا الله وجنته هو شِعاره ودِثاره حتى انتقل إلى جوار ربه،،!

 

ناضل وكافح وثابر في هذه الدنيا بمعوقاتها وتوعرها ووعورتها من شظفٍ للعيش ومرضٍ في الجسد وضعفٍ في البصر وغربة عن الديار، بعد اضمحلال بصره التحق بمعهد النور في مدينة الرياض ودرس فيه بلغة برايل ( نظام كتابة تمكن المكفوفين من القراءة باللمس ) فاضطر للبدء من المرحلة الإبتدائية ( رغم اجتيازه لها ) وكان قد تجاوز العقد الثاني من عمره آنذاك حتى تخرج من المرحلة الثانوية وقد كُف بصره فلم يثنه ذلك عن غايته ولا عن تحقيق مراده فاتجه لسلك التعليم معلماً بارعاً في مادتي القرآن الكريم والتجويد، اتقن هاتين المادتين أيّما اتقان وبرع بتدريسهما براعةً منقطعة النظير، فصنع جيلاً يُحسن تلاوة القرآن الكريم وتجويده بشكل لافت، فكم من طالبٍ حفظ سور من القرآن الكريم على يديه وأعظمها السبع المثاني فنال أجر كل صلاة يصليها! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء..!

 

كان يدير فصوله برؤية فؤاده وبلغة إحساسه وبقوة ملاحظته، يعرف طلابه فرداً فرداً ويميز بين أصواتهم بكل بساطة، فتيسر له انبساط قدرته على هذه الفصول واستقرار هيبته فيها وانقياد الطلاب له حتى بات فصله أكثر الفصول هدوءاً ونظاماً وأكثرها أريحية وترتيباً، وأصبح من أفضل المعلمين في جيله إلى أن ترجل عن صهوة جواد التعليم.

 

كان ذكياً حكيماً أريباً أديباً تواقاً لطلب العلم، لم يثنه انكفاف بصره عن مواصلة نهمه للقراءة، لديه مكتبة في منزله يقرأ بعض كتبها بلغة برايل وإن لم يجد ما نُسخ على هذه الطريقة فيتجه للكتب المسموعة المُسجلة على أشرطة ينهل من علومها ما شاء له ربه أن ينهل، فاتسعت دائرة أفقه وفهمه وادراكه لسبر أغوار الحياة، فلله دره ما هذه العزيمة وما هذه الهمة؟!

 

يحفظ بضعة عشر جزءاً من القرآن الكريم وبعض المتون، يقرض الشعر الفصيح ويحفظ عيونه، ضليعاً بالنحو وعلوم اللغة ومتمكناً من قواعدها، يجمع أطفال الحي وقت فراغه يُدرسهم النحو والأدب ويقص عليهم القصص المفيدة النافعة يُغذي بها أفكارهم ويُثبّت بها أركان دينهم ودنياهم.

 

يصل الأرحام ويسأل عن الأحوال ويكسب العائل الفقير، يجتمع عنده في منزله أو في بستانه أطياف الناس يحل مشاكلهم ويقرض محتاجهم ويجيب على أسئلتهم وينصح من أتاه يستنصحه، له لسان عذب يفيض من أنهار القلب، كثيرُ الأصحاب قليلُ العِداة كريم المَحْتِد حميدُ الشيم، يكيل الرجال بأقدارها جوادٌ عليهم بخيلٌ بهم، رفيع المبادئ والقيم..!

 

كان من أسخى الناس يداً وأمثلهم طريقةً وأنقاهم سيرةً وأطهرهم سريرةً، بيته بيت كرمٍ وجود كفيه غير فانِ، يصل من قطعه ويعطي من منعه ويجود على من لا يرجوه متأسياً بسنة النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وكأن لسان حاله يقول:
سأبذلُ مالي كلَّما جاء طالبٌ
وأجعلُه وقفًا على القرضِ والفرضِ

فإمَّا كريمًا صنتُ بالجُودِ عرضَه
وإما لئيمًا صنتُ عن لؤمِه عرضي

 

كان رحمه الله صبوراً على امتثال المأمورات وأداء العبادات، متجلداً على المكاره وصروف الدهر، مشاءً للمساجد مكانه الروضة في الصف الأول في كل فرض يروح ويغدو، يحب الصالحين وهو منهم تجارته رابحة لن تبور، عرف الله فخشاه ورقّ له قلبه وامتثلت له جوارحه، اجتمعت فيه ثلاث خصالٍ من مكارم الأخلاق ما اجتمعت بأحد ألا أجمع الناس على حبه: الكرم، والكلمة الطيبة، والوجه البشوش.

 

اشتدت عليه في آخر حياته الكروب وادلهمت عليه الخطوب، فكان ضرير البصر، سقيم البدن، طريح الفراش، مكسور الحوض، ولم يزده ذلك إلا ثباتاً وصبراً وتجملاً لم يجزع ولم يفزع، بل جأر إلى الله وتضرع، كان أحياناً لا يُدرك مكانه ولا زمانه، ولكن ما أن يحين وقت الصلاة حتى يحضر قلبه وتعود ذاكرته فيصلي صلاةً تامةً لا يُسقط منها ركناً ولا واجباً ولا سنة وما تأتى له ذلك إلا لمحافظته عليها طيلة حياته، وسبحان من ألهمه قضاء دينه في الليلة التي قُبض فيها فلاقى وجه ربه نقياً خالصاً من مطالب الناس ومن أموالهم وأعراضهم.!

 

كأني ببعض من عرفوه ونالوا من خيره وفضله يقولون في حياته وهم ينظرون إليه: لا نبكي على فضلك ولا على إحسانك إنما نبكي على مثلك كيف يأكله التراب وتواريه الأرض؟!!

 

خاتمة:
فقَدتُكَ، لكن لي بذكرِكَ سَلوةٌ
‏ ومَن فقد الموصوفَ لم يفقِدِ الوَصفَا

 

بقلم: عادل الغازي

خاص لـ(صحيفة حائل الإلكترونية)


6 pings

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.