نجم الركايب

غازي المهوس .. كافل الأرامل والأيامى والفقراء واليتامى


غازي المهوس .. كافل الأرامل والأيامى والفقراء واليتامى


وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.hailnews.sa/905355/

 

في كل حقبة وزمان يكون لله وجوهاً من خلقهِ يحملونَ الخير بحملهِ ويجزونه بمثله، استعملهم لقضاء حوائج عباده يرون الجُود مجداً والإفضال مغنماً والله يحبُّ مكارم الأخلاق فهم يعينون الناس على صعوبات دنياهم ويرفدونهم بما تجود به أنفسهم لا يكاد يخلو منهم عصر ولا حين، برز منهم في منطقة حائل رمزاً من رموز أعمال الخير الأوفياء وجيهاً من وجهاء المنطقة ومن نقبائها ونجبائها هو الشيخ غازي بن مهوس الشايع – غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر -.

 

كان كوكباً ما أقصر عمره كعمر كواكب الأسحار، وهلال أيامٍ مضى لم يَستدِر بدراً ولم يُمهل فعجّل الخسوف إليه قبل أوانه فواراهُ قبل مظنة الإبدار، توخَّى حِمَامُ الموت هذا الكريم الجواد وطواهُ الرَّدى فإنْ هو أُفرِدَ في دار وحشةٍ فإنَّ أخلائه وأصفيائه بدار الأُنس في وحشةِ الفرد، لا يُوحِش اللهُ رَبعاً نزل بهِ فما أظنُ قبره إلا رَوضاً نورُه يتقد، ولمِثْله يبكي القلب من جوى ومن كمد، أضحى مَزَارهُ بعيداً على قُربٍ قريباً على بُعدِ، يُسقى من ماء العين وإن كانت السُّقيا من الدمع لا تُجْدِي، اهدته الأكف للثرى فيا عِزّةَ المُهدَى ويا حسرة المُهدِي، مَضى إلى الله حيّا اللهُ طلعته بالمكرمات وحيّا تربته بالمطر وبالرحمات، الناس حين فقده واجدون واجمون لهم في كل دارٍ رنةٌ وزفيرُ، لا وما علمتُ قبل موته أن النجوم في التراب تغورُ، قَضى ورَمى في العين والقلب لوعة فلا دمعها يرقا ولا نارها تَخبو، هو نفسٌ تساقط بسقوطها أنفُساً تساقُطَ الدُرٍّ من النِظَام، صبّت على من حوله حين فارقوه مصيبة لو أنها صُبّت على الأيام لصرن ليالي، فاق الأنام وهو منهم لا غرو ولا عجب فالمسك بعض دم الغزالِ..!

 

هو ثالث الجبلين وأمان العاجزين المساكين ، أبو الفقراء واليتامى والساعي على الأرامل والأيامى، عاش يبني المجد نحو خمسين حجةً كان فيها إلى الخيرات يرتقي وإلى الفضائل يسمو ويعتلي، كان بدراً يُستَضاء بِنوره إِذا اِشتدت الظلماء أَو نزل الكرب، وكان غيثاً كُلما انهّل قطره زَها مِنهُ روض الجود وانتعش العشب، لم تُرَ في سواه شمائله المليحة وخصاله الحميدة، فمن لذوي الأرحام بعد فراقه من جارٍ ومن عان؟ ومن لليتيم ومن لأمِ أبناءٍ سِغابٍ جياع؟! جزاك الله عنهمُ كل خيرٍ وأعلم أنه عنهم جزاكَ، هي مشيئة الله وإرادته وللرب إمضاء المشيئة حين اصطفاكَ..!

 

له اسهامات جليلة وتبرعات سخية لمختلف الجمعيات الخيرية، دفع الديّات عن المنكوبين ممن عرف ومن لم يعرف، تكفّل بعلاج المرضى بالخارج على نفقته الخاصة، تحّمل نفقات زواج جمع من الناس، بنى الدور والبيوت لطائفة من الورى، أطلق مساجين بقضاء ديونهم والتزاماتهم، كفل أيتاماً وأرامل وسعى عليهم، قام بتأمين وظائف للشباب أمنّوا بها حياتهم بالسِّتر والعفاف، وألبسهم فيها لباس الكُفية والكَفاف، داين المحتاجين وأقرضهم فكان بهم رحيماً يُنظِر المُعسَرين منهم ويتجاوز عن بعضهم فيعفو عنهم ولا يُشقِق عليهم راجياً ظِل ربه يوم لا ظِل إلا ظِله، ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن أنظر معسِرًا، أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظلِّه)) رواه مسلم.

 

عَلِم أن الفقر مُرُّ المذاق وأن أهله قد تقطّعت بهم الأسباب من قِلة ذات اليد ومن الفاقة والإملاق فعمل لنفسه شيئاً ليوم التلاق فما عند الناس ينفد وما عند الله باق..!

 

كان في بداياته موظفاً بسيطاً لدى شركةٍ وكان كل ليلة يذهب لوحده إلى مقر الآلة التي يعملون عليها صباحاً لكي يُحسّن من خبراته ويُنمّي من قدراته، وفي ليلةٍ ظاهرها الظلم والتعاسة وباطنها من قِبَــلِـها العدل والبهجة والسعادة إذ هو يعمل عليها حدث أمرٌ أربكه فعاد لمسكنه بعد أن تعطلت الآلة فجأة وهو لا يعلم، وفي صباح اليوم التالي سأل مدير العمل من الذي عطّل الآلة؟ فقام بكل رباطة جأش وقوة بأس وبلا تردد وقال: أنا! لم يصمت ولم يُطرِق ( وكان بإمكانه فعل ذلك لا سيمّا وأنه لوحده لم يره أحد ) ولكنها مخافة الله والصدق مع النفس، ففُصل من وظيفته فحمد الله وتوكل عليه يبحث عن رزقه في مكان أخر فما هي إلا بضعة أشهر حتى قيّض الله له عملاً وفتح عليه فتحاً مبيناً جزاءً وفاقاً على صدقه وأمانته، دارت الأيام رحاها نمى خلالها عمله وأصبح رجل أعمال يشار له بالبنان شاع نجمه ولمع بريقه وسارت بسيرته العطرة الركبان..!

 

توفي مهندس من بلد عربي كان يعمل في مؤسسته فأمر بصرف مرتباته لتصل لأهله شهرياً في بلدهم ( ولم يعلم أحد بذلك ) لم تنقطع عنهم حتى انتقل لجوار ربه، وعندما وصل الأمر لبنيه أمروا بامضاء ما أمر به والدهم.!

 

جاءت امرأة إلى منزله لا يعرفها أحد من ذويه وهو على فراش المرض – الذي قبضه الله به – تطلب قبول تبرعها بأعضائها له ولما سُئلت عن سبب فعلها أجابت بأن هذا الرجل هو عائلي أنا وأبنائي منذ أمدٍ بعيد.!

 

أرملة مُسنة تقطن الصحراء قالت بعد وفاته: لقد علمت بأن أبا ممدوح قد فارق الحياة، قيل بما عرفتِ ذلك؟ قالت: مر الشهر والشهران ولم يزرني ولم يعطني من عطاياه.!

 

لله أبيه ما أسخاه وما أجزله وما أطبعه على الكرم؟!!
ألم تر أن الجودَ من عهد آدم … تحدّرَ حتى صار يملكهُ هذا الكافلُ
ولو أن أُماً قضّها جوعُ طفلها … ونادت على اسمه حصراً لاغتذى الطفلُ

 

قال قبل وفاته: مثلبتان لا يسألني الله عنهما؛ أكل المال الحرام، والكذب على الأنام..

 

وقد صدق فقد دأب على الصدق وقول الحق ولو على نفسه وتحرّى طيب مطعمه وملبسه وكسبه، فجمع بين منقبتين هما أصل المحاسن كلها الصدق وهو عمود الدين وركن الأدب وأصل المروءة، والكرم بأرفع وأسمى معانيه وهو نزاهةُ النَّفس عن الحرام وسخاؤها بما تملك على الخاص والعام، جاد بنفسه عندما بذل أمواله في الخير والعطاء، وجُبل على صفة يحبها الله وتشبه فعله جلَّ في عُلاه وهي الجود والكرم والسخاء.

 

قالت العرب: مَن جاد بماله جاد بنفسه، وذلك أنَّه جاد بما لا قوام لنفسه إلَّا به.

 

وقيل لحكيم: أيُّ فعلٍ للبشر أشبه بفعل الباري تعالى؟ فقال: الجُود.

 

شهماً أثيلاً عالي الهمة شريف النفس، كَثِير الرَّمَاد طَيِّب الأعْراق، عُرف بفَصَاحة اللِّسان وبسَبْط البنان لا يعرف للكذب عنوان ولا يجيد زُخرُف القول وزور البيان فلحظته العيون بالوَقَار وبالإمتنان، الخيرُ من لمحاته والفضل في قسماته والناس يأنسون من أفعاله آية البذل، مخشّيةٌ رهباتهُ مرجوةٌ هباتهُ مُترقبٌ نداهُ عامٌّ نوالهُ كانت له الطاعات مبذولةٌ ولربهِ طاعاتهُ، أحيا بجوده ما أماته الفقر يشهدُ على سخائه وبذله أهل الوبر وأهل المدر مَحضُ الوُدِّ لا مَلِقٌ في لفظهِ ولا يحمل في قلبه وَضَر كانت مودته كالكوثر العذب لا يغتالها الكدر، غديرُ مجدهِ مُفعم وطَود عِزه أيهم بالجودِ مُغرى وبالسماحةِ مُغرم، فشَمْلُ المالِ عنده في افتراق وشَمْلُ الحمدِ لديه في التئام، لَئن كان للمكارم والعُلى جسمٌ وروحٌ فهو لها بمثابة القلب وإن كان للفضائل والنهى أرضٌ فهو لها بمكانة القُطْب، كريمٌ جوادٌ لا يُغيّره صباحٌ عن الكرمِ ولا مساء فوا أسفاه لجسده كيف يَبلى ويذهب بعد بهجته ذلك السناء؟

 

سماحته قاصية المنى يبلى الزمان وذكرها يتجدد ووقافته في الناس لم تزل معروفة لا تُنكر ولا تُجحد له يدٌ تبذل الإحسان والمعروف تتبعها يد فما مُسرفٌ في المَكرُمات بمُسرِفٍ ولا مُبدِّد فمّنَ عليه من تعنو له الوجوه وتخضع وتسجد بأن يقبضه إليه ويبقي ذكره يُحكى ويُروى خالد سرمد..!

 

إن في الله تبارك وتعالى من فقده عِوضاً، وفي رسول الله ﷺ من مصيبته أُسوة، اللهم إنه نازلٌ بك عبدك مُقفراً من الزاد، مخْشوشن المِهاد، غنياً عما في أيدي العباد، فقيراً إلى ما في يديك يا جواد، اللهم فليكن قِرى عبدك منك رحمتك، ومهاده جنتك.

 

خاتمة:
سَقاكَ الغَيثُ هَتّاناً وَإِلّا
فَحَسبُكَ مِن دُموعي ما سَقاكا
وَما زالَ السَلامُ عَلَيكَ مِنّي
يَرُفُ مَعَ النَسيمِ عَلى ذُراكا

 

بقلم: عادل الغازي

خاص لـ(صحيفة حائل الإلكترونية)


1 ping

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.