نجم الركايب

“التنمر” .. ظاهرة وباء لا بد لها من الاجتثاث


“التنمر” .. ظاهرة وباء لا بد لها من الاجتثاث


وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.hailnews.sa/905890/

 

من مقاصد الشريعة التي جاء بها الإسلام حفظ الضروريات الخمس، وهي حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض، وحفظ المال.. وقد حرم الله جل وعلا التعدي على النفس من خلال هذه الضروريات ولكن ابتلي المجتمع بظاهرة سلبية ظاهرها المزاح وخفة الظل وباطنها التجريح والتقريح وهي ما تسمى اليوم (التنمر)..!

 

ما هو التنمر؟ ما تعريفه؟ وما أسبابه ودوافعه؟ وما تأثيره على من يتعرض للتنمر؟

 

أولاً: يُعرف التنمر حسب معجم المعاني بأنه سوء الخلق والتشبه بالنمر في طبعه وشراسته ويقال لبس له جلد النِّمِر أي أظهر له العداوة والبغضاء وكشفها له، كما يُعرف التنمر بأنه قيام شخص ما بسلوك عدواني تجاه من هو أصغر أو أقل قوةً منه كإيذائه أو تخويفه أو شتمه وإجباره على فعل ما لا يريد، وهو في علم النفس أحد أشكال السلوك العدواني الذي يتسبب فيه شخص ما عن قصد وبشكل متكرر في عدم الراحة لشخصٍ آخر، سواء أكان ذلك السلوك جسدياً أو لغوياً بالكلمات أو أي أفعالٍ أخرى، مع عجز الشخص الذي يتعرض للتنمر عن الدفاع عن نفسه، وفي علم الاجتماع يعرف بأنه التسبب بالأذى لشخصٍ ما لفظياً أو جسدياً أو نفسياً وبمعنى آخر هو التسلط والبلطجة (Bullying)..

 

أنواع التنمر:
التنمر اللفظي/ هو الإساءة بالكلام، بحيث يسخر المتنمر من ضحيته ويستفزه ويسميه بأسماء لا يحبها ويشتمه ويرهبه لفظيًا، ولهذا النوع تأثير سلبي كبير على نفسية الطفل أو الشخص الذي يتعرض للتنمر إذ يترك في نفسه جروحاً عميقة ويشعره بالضعف والعجز.
التنمر الجسدي أو البدني/ هو أكثر أنواع التنمر وضوحاً وهو الإساءة الجسدية من دفع وركل وضرب وبصق وتدمير الممتلكات وقد يتسبب للطفل أو للشخص المتنمَر عليه بآلام المعدة أو الصداع بسبب التوتر الناتج عنه.
التنمر الاجتماعي/ وهو نوع من أنواع التنمر غير المباشر إذ إنه يحصل عادةً دون علم الشخص الذي يتعرض له وذلك من خلال الإضرار بسمعته أو نشر الشائعات أو الأكاذيب عنه، وقد يكون على هيئة تقليد الطفل بطريقة مؤذية أو استبعاده اجتماعياً.
التنمر الإلكتروني/ هو التنمر الذي يحدث على الإنترنت وعبر الأجهزة الرقمية مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية، من خلال الرسائل القصيرة والنصوص والتطبيقات ووسائل التواصل الاجتماعي حيث يقوم المتنمر بنشر أو مشاركة محتوى سلبي أو ضار عن شخص آخر، مما يؤدي إلى الإضرار بسمعته وفي حالات خاصة قد يؤثر سلبًا على قبوله في الجامعات أو الوظائف أو أي مجال من مجالات حياته.
التنمر الجنسي/ هو نوع من أنوع التنمر يتضمن سلوكاً جنسياً عدوانياً من تعليقات أو اقتراحات أو محاولات أو تهديدات جنسية غير مرغوب فيها لشخص آخر، بهدف إيذائه أو الإساءة إليه أو تخويفه، وقد يكون شفهياً من خلال التلميحات الجنسية أو جسدياً من خلال اللمس أو التقبيل أو غيرها من الأفعال غير المقبولة من قبل الشخص الآخر، وقد يحدث في المدارس وفي مختلف الأماكن ولجميع الأعمار وللجنسين، وهو يؤدي إلى أضرار عاطفية كبيرة على الضحية.

 

أضرار التنمر على المتنمِّر:
للتنمر آثار سلبية على المتنمِّر نفسه ومنها:
ضعف الأداء المدرسي بسبب التغيب عن المدرسة بسبب الإيقاف وإيقاع العقوبات عليه،
صعوبة الحفاظ على العلاقات الاجتماعية بسب نفور الناس من حوله وإظهاره العدوانية المتزايدة، زيادة خطر تعاطي المخدرات، هناك دراسة أجريت من قبل مجموعة من العلماء في النرويج في الآثار النفسية طويلة المدى للمراهقين ، أشارت نتائج الدراسة إلى أن جميع المتورطين في التنمر خلال فترة المراهقة ، سواء من المتنمرين اوالضحايا على حد سواء ، عانوا من نتائج عكسية على الصحة العقلية في مرحلة البلوغ ، في حين أظهر الضحايا مستوى عالٍ من أعراض الاكتئاب في مرحلة البلوغ ، عانت المجموعتان من زيادة خطر الاستشفاء النفسي بسبب اضطرابات الصحة العقلية.

 

أضرار التنمر على الضحية (المتنمر عليه):
الأشخاص الذين يتعرضون للتنمر يمكن أن يعانون من؛
مشاكل سلبية صحية وجسدية واجتماعية وعاطفية وأكاديمية وعقلية كالإكتئاب والقلق وزيادة الشعور بالحزن والوحدة، أيضاً حدوث تغيير في نظام النوم والأكل وفقدان الاهتمام والشغف بالأنشطة التي يحبها، كذلك ينخفض التحصيل الدراسي أو المعدل التراكمي أو الأداء العام لديه.

 

أضرار التنمر على المجتمع:
للتنمر أضرار عديدة على المجتمع برمته ومنها: الآثار على الصحة الجسدية والنفسية للصحايا مما يؤدي إلى تكاليف باهظة للأفراد وأسرهم والمجتمع ككل، يؤدي التنمر إلى حصول خلل في العلاقات الاجتماعية والإندماج في العمل والاستقلال الاقتصادي، زيادة استخدام أفراد المجتمع الذين يشاهدون عملية التنمر للتبغ أو الكحول أو المخدرات مما يزيد من مشاكل المجتمع، تغيب الأطفال عن مدارسهم وبالتالي تأثر العملية التعليمية في المجتمع، ظهور مشاكل متنوعة في المجتمع كالإكتئاب والإنتحار وغيرها.

 

كيف تعرف أن طفلك يتعرض للتنمر؟
فيما يأتي بعض العلامات التي تدل على تعرض الطفل للتنمر نذكر منها؛
عودة الطفل إلى المنزل بملابس أو كتب ممزقة أو تالفة أو مفقودة، وجود جروح وكدمات وخدوش غير معروفة السبب على جسده، ظهور علامات الخوف على الطفل وعدم رغبته بالذهاب إلى المدرسة أو إلى مكانٍ آخر، ميل الطفل للحزن والإنطواء ويكون متقلب المزاج عندما يعود إلى المنزل، يعاني من الصداع وآلام المعدة ومشاكل في النوم وفقدان الشهية.

ونظراً للآثار السلبية التي يخلفها التنمر على نفسية الطفل، فإن من واجب الأهل مراقبة الطفل لرصد أي علامة تدل على تعرضه للتنمر والعمل على حل المشكلة ومساعدته لتجاوزها.

 

كيف نفضي على هذه الظاهرة الخطيرة؟

كيف التعامل مع التنمر؟ وكيف يمكن التغلب على التنمر؟
“تجاهل الأمر” هذه الجملة الشهيرة التي نوجهها للشخص الذي يتعرض للمضايقات من قبل شخص آخر في المدرسة أوالجامعة أو الشارع أو العمل، ونعتقد بأننا نهّون الأمر عليه ونقول له “لا تقلق هذا يغار منك ومن نجاحك لذلك انسى أمره”، في الواقع إن إهمال هذا الأمر أو تخطيه يفاقم المشكلة، وهذا ما حصل فعلاً في أيامنا هذه فالتنمر ظاهرة بدأت بالانتشار في مجتمعنا بشكل ملفت فنرى الطفل يتنمر على صديقة بالمدرسة، والأخ على أخيه وغيرها الكثير.

 

وللتغلب على هذه الظاهرة هناك بعض الخطوات منها:
1- فهم التنمر/
التغلب على التنمر يبدأ بفهم مشكلة التنمر، فالتنمر هو سلوك مكتسب وهناك الكثير من الأسباب التي تدفع الشخص للتنمر أهمها أن يكون قد تعرض لسوء معاملة في فترة ما من حياته، ومن الأسباب الأخرى أيضاً الشعور بالغيرة وعدم الأمان.
2- التحدث مع الشخص المتنمر/
جميعنا وسبق لنا أن ذكرنا شيئاً ما لأصدقائنا وأزعجه ذلك عن طريق الخطأ أو من عير قصد،
وبالتأكيد هذا يحصل معنا جميعاً بغض النظر عن ما تحمله النوايا، وهذا يعني بأننا جميعاً لدينا تنمر ولكن بدرجات مختلفة، وللقضاء على التنمر يجب أن تتحدث للشخص المتنمر مباشرة لا بد من اخباره بأن طريقتك مزعجة وغير مقبولة وتزعج الآخرين بسبب التصرفات القاسية والمحرجة معه أو من حديثه، فقد لا يكون لديه أي فكرة بأنه يؤثر عليهم.
3- عدم تسكت عن الحق/
عندما يمر الإنسان بمشكلة مرهقة في حياته فستؤثر بالتأكيد على فكره وبالتالي سيتشتت انتباهه وستنخفض إنتاجيته وهذا يعني أن كل مجريات حياته سوف تتدمر، والتنمر واحدة من المشكلات التي تؤثر بشكل كبير على الشخص، وللتغلب على التنمر يجب الإبلاغ عنه وعدم السكوت أبداً فقد كشفت الدراسات أن 45% من الأشخاص الذين يعانون من التنمر ليس لديهم الجرأة في التبليغ عن مشكلاتهم بسبب الإحراج والخوف وعدم الثقة، لذلك يجب على الضحية الإبلاغ عن مشكلتهم لأي طرف موثوق به كالمعلم أو الوالدين أوغيرهم.
4- العقاب القانوني/
التنمر جريمة يعاقب عليها القانون وبإمكان الذي يتعرض له إبلاغ الشرطة كأن يتعرض للهجوم جسدياً أو جنسياً، أو مشاركة المتنمر له بمعلومات خاصة كالصور والمقاطع على الإنترنت، فهذه جميعها أمور لا يسكت عليها ويصنفها القانون تحت الجرائم، فعند تطبيق العقوبات على من يستحقها سنتمكن من التغلب على التنمر بكل سهولة وغيرها من الظواهر الاجتماعية المؤذية.
5- عدم الإنعزال واعتزال الناس/
اعتزال المتنمر عليه الناس وانطوائه على نفسه لن يزيد المشكلة إلا تعقيداً، عليه تحرر قيوده والاتصاف بالشجاعة لمواجهة مشكلته والتحدث بها لشخص مقرب ليقف إلى جانبه ويسانده حتى تنتهي المشكلة.
6- إحاطة الابن بمجموعة من الأصدقاء للاطمئنان والشعور بالثقة، خاصة وأن المتنمر يختار ضحاياه المنعزلين.
7- الرد بحزم على المتنمر، فالمتنمر عادة لا يتوقع من الضحية مواجهته، والأفضل أن التشديد على الضحية بعدم الإنفعال ومحاولة ضرب المتنمر وتجنب الاحتكاك أي تلامس جسدي، لكن يكون بالرد بقوة عبر كلمات واضحة وبسيطة دون خوف أو غضب، وتعليمه الثقة بالنفس وعدم السماح لأحد بالتشكيك في قدراته وإمكانياته.
8- البحث عن قدوة/
للتخلص من التنمر وأثره النفسي، على الشخص المتعرض له البحث عن قصص لأشخاص تعرضوا للتنمر وكيف كان دورهم إيجابياً وفعالاً في القضاء على التنمر، بالتأكيد سيجد خلال بحثه الكثير من القصص المطروحة التي تشبه قصته وكيف استطاعوا أصحابها التغلب عليها، ويجعلهم قدوة له في حل المشكلة.
9- ممارسة أحد الرياضات القتالية/
إنّ تعلم أحد أنواع الفنون القتالية المشهورة، كالملاكمة، والكونغ فو، والتايكواندو، والكارتيه، من الطرق المهمة التي يمكن اتباعها لمواجهة التنمر، فتعلم مثل هذه الرياضات يزرع الثقة العالية بالنفس، ويمنح الفرد لياقة وصحة بدنية عالية، ويكسبه مهارات قتال ودفاع عن النفس، يمكنه استخدامها في مواجهة أي تنمّر أو اعتداء من الآخرين، وبهذا لن يكون هدفاً سهلاً للمتنمّرين.

 

وأخيراً:
نهى الله عن التنمر في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} «سورة الحجرات: الآية 11»

 

فقد أوضح ابن كثير في معنى الآية الكريمة أن بها نهي صريح من الله سبحانه وتعالى عن احتقار الناس والاستهزاء بهم لوجود مرض أو فقر أو أي صفة مختلفة أو غير مألوفة، فربما يكون الشخص الذي تمت السخرية منه له قدرٌ عند الله أعظم من الساخر، بل وربما يكون أحب لله من الشخص الذي قد تنمّر عليه، أما في قول {وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} فقد أوضح ابن كثير أن معناها عدم الإيماءات التي توحي للآخرين بالاستهزاء بهم، سواءً كانت بالنظر أو بالحركة أو بالكلام، وقال أيضاً أن اللمّاز الهمّاز ملعون عند الله ومذموم، وقال تعالى {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} أي لا تقوموا بإطلاق أسماء على البعض يستاؤوا منها عندما يستمعون إليها.

 

ومن المبادئ التي انطوت عليها خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أن الإنسانية متساوية القيمة حيث قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمََ).

 

بقلم: عادل الغازي

خاص لـ(صحيفة حائل الإلكترونية)


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.