نجم الركايب

غانم الفهد .. الكريم الحسيب والجواد المهيب


غانم الفهد .. الكريم الحسيب والجواد المهيب


وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.hailnews.sa/906188/

 

صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إنَّ اللهَ كريمٌ يُحبُّ الكُرَماءَ، جوادٌ يُحبُّ الجَوَدَةَ، يُحبُّ معاليَ الأخلاقِ، و يكرَهُ سَفْسافَها).

 

فالله كريم جواد ويحب الكرم وأهله ويحب الجود وخاصته ويحب ﷻ معالي الأمور ومكارم الأخلاق ولا ريب أن الجود والكرم والسخاء من هذه المعالي، وقد فرّق أهل اللغة بين الكرم والجود فقالوا: أن الكرم يكون عن استحقاق وسؤال وأما الجود فهو صفة ملازمة للنفس وهو العطاء من غير ما استحقاق ولا سؤال، وهذا ما توفر في سيرة رجل كريم جواد سخي هو الشيخ غانم فهد الغانم (غفر الله له).

 

كان رجلاً عظيماً قلّ نظيره وندر مثيله فأمثال الرجالِ تتفاوت في المجد والسؤدد والمكانة والرفعة حتى عُدَّ ألفٌ بواحدٍ وليس على الله بمُستَنكَرٍ أن يجمعَ العالم في واحدِ، هو ليثُ حربٍ وغيثُ جدب، يمينه إن طرا قفر سحاب، وعزمه إن دجى خطب شهاب، أحفظ الناس للعهد وأضيعهم للذهب، غلبت عليه الشجاعة وهي من أوصافه حتى غدت من أسمائه فأعطاها حقا فأنجدته، رَنَت نحوه الدنيا بعينٍ بغيضةٍ وذلك مع الحر الكريم لها دَأبُ، كفاها هواناً أَن مثله قد غدا والليئم بِها يَربو …!

 

جليسُ أمراءٍ ونِدٌ لهم تُفتح أبوابهم لوجهه بغير حُجّاب ولا تُغلق، تربطه بالأمراء والسفراء والوجهاء أواصر صداقة متينة فلا تحسبه إلا منهم، أشمٌ أبّيٌ عزيزٌ وجيهٌ لا يسكت على ضيم، شاعرٌ أديبٌ يحفظ الشعر ويرويه، فصيح اللسان بديع البنان رفيعُ السنان سريع القلم، إذا ضرَّ خصْ وإن هو سرَّ عمْ، إذا تمَّ أمراً دنى نقصهُ توقع زوالاً إذا قال تمْ، لا يهابُ الموتَ ولا يرهبُ الرَدَى أشجع من يجول وأكرم من يعول، فَهِمَ أنه لا بد للعمر النفيس من الفناء فصرف زمانه في الأعزّ الأَفخر، وما مات ذلك الجليل النبيل وحده بل مات بموته الجُود والإقدام والبأس والصبر، فيا عجباً للقبر كيف يضمه وقد كان سهل الأرض يخشاه والوعر؟!!!

 

سامي العلى واهبٌ صبٌّ ببذل المكرمات مُتيّم نفسه بالجود صبّه، يخضب السيف ويقري الضيف يُرجى ويُخشى فمع الرغبة رهبه، نائلُ كفهِ كم أبعدت مجده عن حاسدٍ وكم دنت رغائب كفه من راغب، هو رجاء راجٍ وخادن فاضلٍ وعِقاب جبارٍ وسطوة غالب، أبسط الكرماء باعاً وأنجزهم لوعدٍ ووعيد أصبح نقمةَ كل عاتٍ ونعمةَ كل عافٍ مستفيد، إذا أقبل ماشياً تضطرب الأرض من تيههِ وشموخه ثم تفتر، فيحتار من يراه هل من علٍ هوى نجمه أم من نبع ماء تفجّر، يبدو فتخشع هيبةً منه القلوب وتخضع الأعناقُ، فاق الكرام سماحةً وبذكره تتجمل الآفاق، فرباعه للقاصدين فسيحة وجفانه للطارقين عُماقُ، مرّت بالذاكرة سيرته ولياليه على مَلَلٍ يا لهف نفسي على مَللْ، فكان على اللئيم أمرُّ من الدّفلى وعلى الكريم أحلى من العسل…!

 

من مآثره أحسن الله وفادته , أنه كان يُنادى في الناس في كثير من الليالي؛ الوليمة في أُطْم غانم فهو أُطمُ قينةٍ وعزٍ، لا تخلو موائده كل يوم من الضيوف فكان يرسل إلى الناس أن هلموا إلى مائدتي الغداء والعشاء وكأنه يقول لهم ما قاله الحجاج للناس عندما شق عليه إرسال رسله إليهم: رسولي إليكم الشمس إذا زالت فاغدوا إلى غدائكم وإذا غربت فروحوا إلى عشائكم، تفِد قوافل الناس إليه وفوداً سرية من بعد سرية في كل صباحٍ وعشية، لا يكلّ من الضيوف ولا يملّ فما حال ضيوفه معه إلا كما قال الأول:
جَـزى اللَهُ عَـنّا (جعفراً) حينَ أَزلَقَت
بِـنـا نَـعـلُنـا فـي الواطِئينَ فَزَلَّتِ
هُـمُ خَـلَطـونـا بِـالنُـفـوسِ وَأَلجَـأوا
إِلى حَــــجَــــراتٍ أَدفَــــأَت وَأَظَــــلَّتِ
أَبَــوا أَن يَـمَـلّونـا وَلَو أَنَّ أُمَّنـا
تُــلاقــي الَّذي لاقَـوهُ مِـنّـا لَمَـلَّتِ

 

طلب منه عامل آسيوي الجنسية كان يعمل لديه مبلغاً من المال يدنو من العشرة آلاف ريال جرّاء اقتحام الفيضانات منازل أهله وإخوته في بلده وطلب منه أن يخصمها من مرتباته الشهرية فأعطاه المبلغ قبل أن يقوم من مقامه هبةً ولم يحسم من مرتباته شيئاً…!

 

ذات يوم قام بتوزيع مبالغ مالية على جماعة من أقاربه وعندما وصل لامرأة منهم وبعد أن منحها المبلغ أوجس في نفسه خيفة (بحدسه ومروءته ورحمته) من أنها قد تكون بحاجة لمبلغ أكبر فلما ألحّ عليها اكتشف أن عليها ديناً زهاء المئة ألف ريال فقام من تلقاء نفسه بتسديد كامل الدين فقضاه وأمضاه…!

 

في سنة من السنوات اجتاح منطقة حائل سيل عرم أغرق البيوت والشوارع فكان من بينها شارع العليا وقد طمره السيل عن بكرة أبيه حتى وصل لأسقف البيوت فقام رحمه الله هو ورجل يقال له (ابن حميد) بإنقاذ الرجال والنساء والأطفال بحملهم على رؤوسهم وعلى ظهورهم من بيوتهم إلى أن خرجوا بهم إلى البر، وبعدما انتهوا صاح أحدهم أن امرأة وابنيها ما زالوا عالقين في دارهم والسيل قد بلغ مبلغه فخاضه غير مكترث به إلى أن وصلهم وحملهم والسيل يتلاطم بهم يمنة ويسرة حتى بلغوا الأمان ونجاهم الله، ولم يكتفِ بهذا العمل البطولي فقط بل تجاوزه إلى قيامه بتنصيب الخيام للأسر المنكوبة وإسكانهم فيها ريثما يُعاد بناء الدور والبيوت…!

 

قطن منطقة الوفرة إبان عمله هناك فكان يأتي إليه الناس من مختلف المناطق يطلبون منه المطالب فلم يرد أحداً وقام بتنفيذ مطالبهم من تأمين وظائف لبعضهم (مستغلاً نقاء اسمه وجلالة جاهه عند الأعيان والوجهاء) ، ومن إعطاء الأعطيات والهبات لمن يطلب مالاً حتى سُمي هناك (أبو اليتامى) لكثرة ما يغدق عليهم من الأموال…!

 

كان يوماً في رحلة برية فتوقف عند محطة ليتزود بالوقود فصادف غلاماً واقفاً بانكسار فدعاه وأعطاه مبلغاً بسيطاً فقام الغلام بشراء طعام لأمه فقال له: ما خطبك يا فتى؟ قال: نحن أيتام ولم نذق لحماً منذ أسابيع فاشتريت بهذا المبلغ طعاماً لأمي! فقام هذا الشهم الجواد بتحميل سيارته بأنواع الأرزاق من مأكل ومشرب واتجه لمنزل اليتيم وأعطاه إياها…!

سَقاكَ الغَيثُ إِنَّكَ كُنتَ غَيثاً
وَيُسراً حينَ يُلتَمَسُ اليَسارُ
وَإِنَّكَ كُنتَ تَحلُمُ عَن رِجالٍ
وَتَعفو عَنهُمُ وَلَكَ اِقتِدارُ
وَتَمنَعُ أَن يَمَسَّهُمُ لِسانٌ
مَخافَةَ مَن يُجيرُ وَلا يُجارُ

 

هو للناس في فعله ومقاله سحاب الغِنى المنهل والروضة الغنَّاء، كريم جواد لا يعطي عطيته على الثناء، بل يمنحها لغير شيء سوى استحسانه للحسناء، له صولات على مال نفسه وجولات حتى رأى المال منه المذلة والعناء، يرى الخَلَّة حيث يُخفى مكانها فتكون قذى عينيه حتى تكون من الجلاء قاب قوسين أو أدنى، أقسم الفكرُ أن لا شيء كالغيث في الندى فلمَّا رأى جدوى أنامله نحى واسْتثنى، ولو أن رب المال أبصر ماله لصلى على مال هذا السخيِّ وأذنَ، لا يستثيب ببذله محامد الحامدين ولا هو يمُّن إذا ما قلّد المِننا، حتى حسب الناس أن الله أجبره على الكرم جبراً ولم يخلقه مُمتحنا…!

 

هو دَوحة الكرم والشموخ وعاصمة الجسارة والرسوخ وبه يُعتصمْ، روافده أكرم الرافدات وعطيته أجزل العطايا بَخٍ بَخٍ لهذا البحر الخِضمْ، قضى ومضى أورى الورى زندَ سؤددٍ ومجدٍ وأوفى ذمة وذِمام، قضى غامر الدنيا وغامر أهلها عطاءً كجّمات السيول الجمام، كان أوسع الناس عدلاً وبذلاً وشرفاً لإن تقاعد بهم الزمان شمّر وقام، سلامٌ على ذلك القبر لقد حوى سنام عزٍ وهرماً من الأهرام، سبط الأنامل رطبهن إذا يبس الثرى وقتر المطر، لو أن كفه لامست حجراً صلداً لأورف ذلك الحجر، هناك في المعتركات والمدلهمات من الرهبة إن زلت الأقدامِ يلفون ذا قدم ثبت وإقدامِ، ما قال لراجٍ يرجوه سوى نعم ويتبعها منه بأنعامِ، هو بحرٌ والأكف جلامدٌ شتان بين الماء والجلمود، نصير مستضعف وغيّاث ملهوفٍ ونجدة المنجود، متألق الجنبات ترتعد هيبة منه فرائص الرعديد، يرفل في رداء الشموخ والعز ويجر بيده ذيل النصر والتأييدِ…!

 

تبوَّأَ في أعالي المجد ركنًا لأنه وجد القاعَ مزدحِمٌ مليء، وأقدم نحو غاياتٍ عِظامٍ فحاز العُلا كيف لا وهو الباسل الجَريء، كأنه قد خُلق لسد خلة معدم ولفتح باب سماحة مسدود، نَيّرُ الأيام بعده أظلم، وبنيان المجد يوم ثوى تهّدم، طَرقت على تلك النفوس طوارق وأجسامٌ أبلاها فقده فإن كانت رحلت عن قبره فالقلب عنده خيّم، سَقى الله من رفع أكف الدعاء فاستسقى له وترحَّم، سكن الثرى فكأنه سكن الحشا من فرط ما شغلت به الأفكار، فكُنِزَ في الأرض امتثالاً لقضاء الله ولما قدّر من الأقدار…!

 

تغمد الله الشيخ غانم بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنانه ورفع منازله ودرجاته وألحقه بعباده الصالحين.

 

خاتمة:
أَلِمَّا بشيخٍ ثمَّ قُولَا لقَبْرِهِ:
سَقَتْكَ الغَوادِي مَرْبَعًا ثمَّ مَرْبَعَا
فيا قَبْرَ شيخٍ كُنْتَ أوَّلَ حُفْرةٍ
منَ الأرضِ خُطَّتْ للسَّماحةِ مَضْجَعَا
ويا قَبْرَ شيخٍ كيفَ وارَيْتَ جُودَهُ
وقَدْ كانَ منهُ البَرُّ والبَحْرُ مُتْرَعَا؟!
بلىٰ، قدْ وَسِعْتَ الجُودَ والجُودُ مَيِّتٌ
ولَوْ كانَ حَيًّا ضِقْتَ حتَّىٰ تَصَدَّعَا
ولمَّا مَضَىٰ سيدٌ مَضَى الجُودُ وانْقَضَىٰ
وأصْبَحَ عِرْنِينُ المَكارِمِ أجْدَعَا
وما كانَ إلَّا الجُودَ صُورةُ خَلْقِهِ
فعاشَ زَمانًا ثمَّ وَلَّىٰ فوَدَّعَا
أبىٰ ذِكْرُه أنْ تَمُوتَ فِعالُهُ
وإنْ كانَ قَدْ لاقىٰ حِمامًا ومَصْرَعَا
شيخاً عِيْشَ في مَعْرُوفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ
كما كانَ بَعْدَ السَّيلِ مَجْراهُ مَرْتَعَا

 

بقلم: عادل الغازي

خاص لـ(صحيفة حائل الإلكترونية)


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.